منوعات

مدرسة ج 1

“دي كشوفات الحسابات البنكية الخاصة بيا، وشهادات الاستثمار. ومن بكرة الصبح، أنا هسحب نصف المبلغ ده وأحوله لحساب باسم ولادي بشرط عدم التصرف فيه إلا بعد بلوغ سن الرشد. والنص التاني، أنا بدأت فعلياً أفرضه في إجراءات شراء قطعة أرض صغيرة في نطاق المدينة للتعمير لحسابي الخاص. يعني مفيش ولا جنيه هيفضل سايب في البنك عشان حد يطمع فيه أو يضغط عليك بسببه.”

اصفر وجه عاصم وقال بذهول:

مقالات ذات صلة

“أنا عمري ما طمعت في فلوسك يا نجلاء! ليه بتعملي معايا كدة؟”

ردت بقوة وهي تنظر في عينيه مباشرة:

“عارفة يا عاصم إنك مش طماع، بس أنت ضعيف. وضُعفك ده هو الشباك اللي أمك بتدخل منه عشان تنهبني. ولما أنت تكون ضعيف ومش قادر تحميني، أنا اللي لازم أحمي نفسي وعيالي. ومن بكرة، مصروف البيت هيرجع كاملاً عليك أنت من مرتبك الـ 11 ألف جنيه. أنا مش هدفع مليم واحد في أكل وشرب وصيانة بيتك، عشان تعرف إن الفلوس اللي كنت بساعدك بيها وبشيل بيها عنك، كانت فضل مني وتكرّم.. مش فرض عليّ!”

سقطت الكلمات كالصاعقة على عاصم. المصروف الشامل للبيت، والدروس الخصوصية للأولاد، والرفاهيات التي كانوا يعيشون فيها، كانت تدعمها نجلاء بصمت. إعادة تحكيم المصاريف لتعتمد على مرتبه فقط يعني أنه سينكشف تماماً ولن يتبقى من مرتبه جنيه واحد في منتصف الشهر.

في اليوم التالي، بدأت الحرب الفعلية. أمه لم تنتظر، بل جمعت كبار العائلة؛ عمه الحج متولي، وعمته أميرة، وجاءوا جميعاً في زيارة غير متوقعة للمنزل في السابعة مساءً.

دخل الجميع وجلسوا في الصالة بنظرات متجهمة. أم عاصم كانت تجلس في الصدارة، عيناها تطقان كبراً، ومازن أخوه يقعد في الزاوية مظلوماً ومكسور الخاطر كما صور نفسه للجميع.

قال العم متولي بصوت فخم محاولاً فرض الهيبة:

“يا نجلاء يا بنتي.. عاصم ابننا وأنتِ مراته وواحدة مننا. العيلة ملهاش إلا بعضها، ولما ربنا يوسع على حد في البيت، المفروض يشيل الباقين. أخو جوزك محتاج يقف على رجليه، والقرشين اللي معاكي كتر خيرك لو سترتيه بيهم، وده أصل المودة بين الأسر.”

خرجت نجلاء من المطبخ وهي تحمل صينية الشاي، وضعتها على الطاولة ببرود، وجلست بكل ثبات، ولم تظهر أي ارتباك أمام الهجوم الجماعي.

قالت بثبات شديد:

“أهلاً بيكم يا حج متولي. بس معلش، المودة غير الاستغلال. الأصول بتقول إن الراجل هو اللي يتعب ويشتغل ويجهز نفسه، مش ييجي ياخد  تمليك لمازن؟ بصفة إيه؟ وبأي حق؟”

انفجرت العمة أميرة قائلة:

“بصفة إنك مرات أخوه! والفلوس دي لميتيها من بلدنا ومن عيالنا اللي بيدوا عندك دروس! لولا اسم عاصم ورضاه عن نزولك للشغل، ما كنتِ عملتي قرش!”

ابتسمت نجلاء ابتسامة ساخرة وقالت:

“اسم عاصم على رأسي، بس اسمي وعرقي وشغلي هما اللي نجحوني. أنا مدرسة أولى لغة إنجليزية، والناس بتجيلي عشان بتعلم، مش عشان أنا مدام عاصم. وبعدين يا عمتي، لما الحج متولي جوزك اشترى العمارة الأخيرة، كتب منها لأخوه؟ ولا أختك لما ورثت كتبتها لولاد جوزها؟ اشمعنى لما تيجي عندي أنا تبقى ‘أصول ومودة’، ولما تروح عندكم تبقى ‘حق حلال عمر’؟”

“يا أمي حرام عليكي! ليه تحطيني في الخيار ده؟ نجلاء مراتي وأم ولادي، وعمرها ما قصرت معايا، والفلوس دي فلوسها بجد، محدش يقدر يجبرها على حاجة.”

صرخت الأم:

“يعني اختارتها هي وبعت أمك؟ ماشي يا عاصم.. طالما بعتني عشان فلوسها، يبقى إنت مش ابني، ومازن مالوش أخ!”

قامت الأم متجهة نحو الباب، وتبعها العم والعمة ومازن الذي ينظر إلى عاصم بنظرات احتقار وتشفى. عاصم حاول إمساك يد أمه ليستسمحها، لكنها دفعتها بقوة وخرجت وهي تصرخ في الممر: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بنت فلان، خربتي البيت وعقيتي الابن!”

أُغلق الباب بصوت مدوٍّ. سقط عاصم على أقرب كرسي وهو يضع وجهه بين يديه، يبكي بحرقة وسكت تام.

أما نجلاء، فلم تتقدم لتربيطه أو تطيب خاطره؛ بل وقفت على بُعد خطوات، وقالت بنبرة شديدة الجدية والوضوح:

“عاصم.. أنا مقدرة موقفك والضغط اللي اتعرضت له، بس لازم تفهم حاجة واحدة. لو كنت اتراجعت النهارده ووافقت تضغط عليّ عشان ترضي أمك، كنت هتخسرني وتخسر بيتك للأبد. أمك مش زعلانة عشان أخوك محتاج .. أمك زعلانة لأنها اكتشفت إنها مش قادرة تحركك بالريموت كنترول وتتحكم في مالي وفي حياتنا.”

رفع عاصم رأسه وعيناه ممتلئتان بالدموع وقال بصوت خافت:

ردت نجلاء بكل حسم:

“أنت مش عاق يا عاصم. أنت راجل بتصون بيتك وحق مراتك ولادك. البر مش معناه إنك  عشان ترضي أوهام السيطرة عند أهلك. البر إنك تصالح أمك بالكلمة الطيبة والواجب، بس بحدود خط أحمر ميتخطاهوش حد.. والخط الأحمر ده هو بيتي، وفلوسي، وكرامتي.”

مرت الأيام القادمة ثقيلة كالرصاص. شائعات وافتراءات بدأت تنتشر في العائلة وفي المنطقة. أم عاصم لم تسكت، بل بدأت تشيع بين الجيران والأقارب أن نجلاء استغلت ابنها الموظف الغلبان، وسرقت فلوسه، وركبته، وحرمته من بر أهله.

بدأ بعض زملائه في الشركة ينظرون إليه بنظرات مريبة، وبعضهم يلمح بكلمات سخيفة عن “الراجل اللي مراته مشياه”. كان عاصم يتحرق إحراجاً وألماً، لكنه حين يعود للبيت يجد نجلاء مستمرة في خطتها الصارمة.

قامت نجلاء بتطبيق قرارها المالي فوراً:

تركت لعاصم إدارة مصروف البيت بالكامل من مرتبه الـ 11 ألف جنيه. في نهاية الأسبوع الأول، وجد عاصم نفسه عاجزاً عن شراء الفواكه المعتادة، وشراء المستلزمات اليومية التي كانت نجلاء تتكفل بها بغير حساب. شعر لأول مرة بالفرق الشاسع بين الحياة التي كانت توفرها له بمالها، وبين الواقع المتردي لمرتبه وحدوه

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى