روايات وقصص

بقلم مني السيد

“اجهزي يا ندى.. الموضوع بدأ يظهر للكل، ولازم العيلة كلها تعرف الست دي كانت بتعمل إيه في السر والعلن.”

لبست عبايتي وقلبي بيخبط، بس كنت حاسة بقوة غريبة؛ المرة دي مش رايحين عشان نتخانق، إحنا رايحين نقفل باب الظلم ده ونحط النقط على الحروف.

مقالات ذات صلة

نزلت ورا طارق والشارع كان لسه بيصحى، وركبنا العربية متجهين للبيت القديم.. للبيت اللي كان مليان بكبار العيلة اللي اتجمعوا عشان يحكموا علينا، ومش عارفين إن الحقيقة كلها هتظهر قدامهم.
العربية كانت بتجري بينا في شوارع القاهرة اللي لسه بتبدأ تصحى، بس جوة العربية كان السكون أتقل من الجبال. طارق كان شادد على الدركسيون وعينيه مثبتة على الطريق بتركيز شديد.. جنبه على الكرسي كان الملف البلاستيك الأزرق اللي فيه كل المستندات، كشوفات الحسابات، وصور الشيكات، وتقارير دار الرعاية اللي كانت هدير موجودة فيها تحت اسم مختلف.

بصيت له وقلت بصوت واطي:
“طارق.. عمك عبد الرحيم طبعه حامي ومبيسمعش لحد، وطول عمره في صف مامتك سواء كانت صح أو غلط عشان المصالح اللي بينهم.. متخليش حد يجر رجلك للانفعال وتضيع حقك.”

طارق مردش عليا في وقتها، خد نفس عميق وطلعه ببطء وقال:
“الحق مفهوش انفعال يا ندى، الحق معاه ورقه ودليله. هما فاكرين إننا لسه العيال الصغيرة اللي بيضغطوا عليهم بكلام العيلة وكلام الناس.. النهاردة كل حاجة هتظهر على حقيقتها، ومفيش كبير فوق الحق.”

وصلنا تحت العمارة. المنظر تحت كان يقلق؛ عربية عمي عبد الرحيم الكبيرة راكنة في المدخل، وبواب العمارة قاعد على الدكة وعينه رايحة جاية ومترقب كأنه عارف إن فيه موضوع كبير فوق.

نزلنا من العربية، طارق مسك الملف في إيده الشمال ومسك إيدي باليمين وطلعنا السلم بخطوات ثابتة. كل درجة بنطلعها كانت دقات قلبي بتزيد، بس كنت شايفة في ضهر طارق قوة وثبات، وده كان مديني أمان عمري ما حسيته.

وصلنا قدام باب الشقة، الباب كان موارب شوية وصوت الهمهمة والكلام العالي واصل لآخر بير السلم. طارق زق الباب ودخل وراسه مرفوعة، ودخلت وراه.

الصالة كانت مليانة بأفراد العيلة.

عمي عبد الرحيم قاعد على الكنبة الكبيرة، حاطط رجل على رجل وماسك في إيده سبحة، وعمال يحركها بعصبية، وشنبه الأبيض عريض ووشه مليان جدية. جنبه كانت قاعدة عمتي فوزية بلبستها السودا وعينيها الضيقة، وعمالة تطبطب على حماتي اللي قاعدة في النص ومغطية وشها بطرحتها وبتتكلم بحزن شديد.

وعلى جنب تاني، كان محمود قاعد على كرسي خشب في الركن، راسه بين كفوفه وعينه في الأرض كأنه مستني قرار صعب، ونادية واقفة وراه حاضنة أختها هدير ودموعهم لسه موجودة.

أول ما طارق دخل، عمتي فوزية رفعت صوتها وقالت:
“أهو وصل! شرف اللي سايب مراته تأثر عليه ويبعد عن أمه اللي ربته! ادخل يا طارق، ادخل شوف أمك اللي تعبت بسبب الخلافات دي إنت والست هانم بتاعتك!”

حماتي عملت نفسها مش قادرة تتكلم، ورفعت راسها بصوت متعب:
“شوفت يا عبد الرحيم؟ شوفت يا أخويا ابن بطني بقى بيتكلم معايا إزاي؟! بعد ما اختلف معايا ووجع قلبي عشان بنت يتيمة، جاي يكمل عليا!”

عمي عبد الرحيم وقف وبص لطارق بجدية وصوت جهوري:
“جرى إيه يا واد إنت؟! البيت ده ملوش كبير ولا إيه؟! بقى واحد سافر واشتغل برة يرجع يختلف مع أمه ويقلل من احترامها قدام الناس؟!”

طارق فضل واقف مكانه، متهزش، ولا حتى عينه رمشت، وفضل باصص لعمي عبد الرحيم بنظرة هادية وقال:
“خلصت كلامك يا عمي؟ ولا لسه في كلمتين حافظهم من أمي وعايز تسمعهم؟”

عمي عبد الرحيم اتضايق أكتر ورفع عكازه وشاور بيه ناحية طارق:
“احترم نفسك يا طارق! أنا عمك وفي مقام أبوك الله يرحمه! وإنت هنا متتكلمش غير لما تسمع كلامي، ودلوقتي حالًا تروح لأمك وتعتذرلها، وتبعد عنك أي حد بيحاول يفرق بينكم، والبنت دي تخرج من البيت، وإلا هتخسر وقفة العيلة معاك!”

في اللحظة دي، طارق مشي خطوتين وحط الملف الأزرق بقوة على الطربيزة اللي في نص الصالة.. الصوت خلى كل الموجودين يسكتوا.

طارق قال بنبرة حاسمة:
“الأرض والبلد مش عايز منهم حاجة، ومراتي دي تاج راسي ومحدش فيكم يملك يقلل منها.. بس قبل ما تحكم وتعمل فيها كبير العيلة، افتح الملف ده واقرأ التواريخ والأرقام اللي فيه!”

عمي عبد الرحيم بص للملف بتردد، وبص لحماتي اللي وشها اتغير فجأة وعينيها وسعت بقلق حقيقي لما شافت شكل الأوراق.

عمتي فوزية قالت بتوتر:
“ورق إيه ده كمان يا طارق؟ بلاش كلام كتير، إحنا عارفين أمك وطيبتها!”

طارق قال بصوت قوي:
“اقرأ يا عمي! اقرأ الوصل اللي فيه توقيع أختك ببطاقتها وهي بتستلم كل شهر مبلغ من حساب اليتيمة هدير من الجمعية الخيرية اللي أنا كنت ببعت عليها! اقرأ إقرار دار الرعاية اللي كانت حاطة فيها البنت باسم مختلف، عشان تفهم كل الناس إن البنت بخير، وتفضل هي تستلم الفلوس وتحتفظ بيها في حساب خاص!”

السكوت نزل على الأوضة.

عمي عبد الرحيم إيده بدأت ترتعش، ومد إيده وفتح الملف، وعينه كانت بتمشي على السطور وعلى الأختام وتواريخ الإيداعات.. وفي كل ورقة كان اسمه واسم حماتي ظاهرين جنب بعض!

طارق بص لعمي وقال بلهجة غاضبة:
“كنت فاكر إني معرفش يا عمي؟! كنت فاكر إني مش شايف التحويلات اللي كانت بتتسجل باسم أولادك بأموال تعبي أنا ومحمود؟! أمي كانت الواجهة وإنت كنت بتساعدها في إدارة الأموال، ولما جيت أواجهها، جريت عليك عشان تحميها بحجة العيلة وصلة الرحم!”

محمود قام ووقف، وقرب من عمه وقال بانفعال:
“بقى إنت يا عمي؟! إنت وأمي كنتوا متفقين تتحكموا في أموال مراتي وأختها؟! ده أنا كنت بشتغل ساعات طويلة واديك الفلوس عشان تساعدني أحافظ عليها، تطلع بتتصرف فيها من غير علمي؟!”

حماتي حست إن كل شيء بيقع من إيدها، وفوزية رجعت خطوة لورا ومش لاقية كلمة تقولها.. والمجلس اللي كانوا عاملينه عشان يضغطوا علينا، بقى مكان ظهرت فيه تفاصيل كتير كانت مخفية.

عمي عبد الرحيم حط الملف على الطربيزة، وبص لحماتي بقلق، وقال بصوت مهزوز:
“إنتِ إيه اللي وداكي تسجلي باسمي في الجمعية يا ولية؟! مش اتفقنا كل حاجة تمشي من غير ما تسيبي مستندات؟!”

الكلام خرج منه من غير ما يقصد، ونادية بصت له بصدمة، وحماتي قعدت مكانها ومش قادرة تتكلم.

طارق مسك تليفونه، وبص لعمه ولأمه بكل هدوء وقال:
“الموضوع هيتحول للجهات المختصة كمان نص ساعة بخصوص الاستيلاء على أموال القُصّر والتصرف فيها من غير حق، إلا إذا..”

وقف طارق عند الكلمة دي، وبص للكل نظرة خلتهم يسكتوا، وخلى حماتي ترفع راسها وهي بتحاول تفهم إيه المقصود.

الموضوع مكنش بينتهي، دي كانت بتدخل في مرحلة جديدة، وكل طرف بقى مضطر يواجه نتيجة تصرفاته.

السكوت اللي قطع الصالة بعد كلام طارق كان تقيل.. كلمة “إلا إذا” اللي قالها وقفت الزمن في الأوضة، وخلت الكل مستني يسمع شروطه.

حماتي، اللي كانت طول عمرها صاحبة الكلمة الأولى في البيت، قعدت على الكرسي ودموعها نازلة، ومدت إيدها ناحية طارق وقالت:
“بلاش الموضوع يكبر يا طارق.. أنا أمك اللي ربتك وشالت مسؤوليتك. خلينا نحل كل حاجة جوة البيت.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى