روايات وقصص

بقلم مني السيد

طارق رجع خطوة لورا وقال بألم:
“إنتِ اللي وصلتي الموضوع للنقطة دي من يوم ما تصرفتي في أموال البنت من غير حق.. ومن يوم ما استغلتي ثقة الناس، ومن يوم ما استكترتي الخير اللي أم مراتي بعتته لبنتها ووجعتي قلبها. المشكلة الحقيقية كانت مستخبية هنا سنين.”

عمي عبد الرحيم وشه اتغير، والجدية اللي دخل بيها اختفت، وقعد على الكنبة ومسح العرق من على وشه، وبص لطارق بصوت متقطع:
“عايز إيه يا طارق؟ قول شروطك واخلص.. بلاش ندخل ناس من برة في الموضوع، كل حاجة تتصلح جوة البيت.”

مقالات ذات صلة

طارق شاور على محمود ونادية وهدير وقال بصوت حاسم:
“شروطي مفيهاش فصال، وتتنفذ من بكرة الصبح بدري في الشهر العقاري.

أولًا: قطعة الأرض اللي في أول البلد واللي اتسجلت باسم ابنك بأموالنا، تتنازل عنها بالكامل باسم هدير كتعويض عادل عن الفترة الصعبة اللي عاشتها، وحقها يرجعلها.

ثانيًا: الشقة دي تتسجل مناصفة باسم نادية وباسم ندى مراتي، ومفيش حد فيكم يملك يتصرف فيها من غير موافقتهم.

ثالثًا: أمي تفضل قاعدة في أوضتها معززة مكرمة، يتوفر لها الأكل والشرب والعلاج، لكن من غير أي تحكم في أموال باقي أفراد البيت أو قراراتهم.”

عمتي فوزية قالت بقلق:
“يا خراب بيتك يا عبد الرحيم! الأرض دي قيمتها كبيرة يا طارق! عايز تحمل العيلة كلها مسؤولية كبيرة عشان بنت يتيمة؟!”

محمود قرب منها وقال بحزم:
“كفاية كلام جارح! هدير مش أقل من أي حد فيكم، وحقها لازم يرجعلها. الأموال دي من تعبنا، وإحنا مش هنسمح إن حد يتصرف فيها من غير حق.”

عمي عبد الرحيم بص لأخته حماتي وقال:
“إنتِ عملتي إيه؟! دخلتيني في الموضوع ده وضيعتينا بسبب تصرفاتك.”

طارق مسك الملف وقفله، وبص لعمه ولأمه وقال:
“لو حد فكر يتهرب أو يغير الكلام، المستندات والشهود موجودين، والموضوع هيمشي في طريقه الرسمي.”

عدت الليلة تقيلة، بس كان فيها إحساس إن الأمور بدأت ترجع لأصحابها.

تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية.. رحنا كلنا الشهر العقاري، وعمي عبد الرحيم مضى وهو إيده بترتعش وعينه في الأرض، وتنازل عن الأرض بالكامل لهدير، واتسجلت الشقة باسمي وباسم نادية رسمي.

لما رجعنا البيت، حماتي كانت قاعدة في أوضتها، الباب موارب، حزينة ومش بتتكلم.. نفوذها اللي كانت متعودة عليه انتهى في يوم وليلة، وعرفت إن الظلم مهما طال وقته، في النهاية بيظهر.

نادية حضنتني في الصالة ودموع الفرحة في عينيها وهي بتقول:
“مش عارفة أشكرك إزاي يا ندى.. لولا ثباتك ووقفتك وطارق اللي جه في وقته، كان زمان أختي لسه بتدور على حقها وأنا مش عارفة أساعدها.”

ابتسمتلها بحب وقلت:
“ده حقك وحق أختك يا نادية، وربنا مبيسبش مظلوم.. الخير اللي أمي بعته كان السبب في إن الحقيقة تظهر.”

دخلت أوضتي مع طارق، حط المفاتيح على الكومودينو وبصلي وابتسامة راحة حقيقية نورت وشه لأول مرة من سنين. مسك إيدي وباس راسها وقال:
“سامحيني يا ندى على كل لحظة حزن، وعلى كل دمعة نزلت من عينك بسببي وبسبب غيابي.. من النهاردة بيتك ملكك، وعمر ما حد هيقدر يقلل منك في وجودي.”

مسكت إيده بحنية وبصيت له وأنا حاسة بالأمان والرضا ماليين صدري..

وبعد شهرين من اليوم ده، ربنا جبر بخاطري وكمل فرحتي، وعرفنا إني حامل في توأم.. البيت اللي كان مليان حزن وتوتر، اتملى ضحك ورزق وبركة، وعرفت إن الصبر على الأذى نهايته عوض من ربنا يفرح القلب وينسي كل وجع عيشناه.
لكن فرحتي ماكملتش بالسهولة اللي كنت متخيلاها…

بعد ما عرفت إني حامل في توأم، بدأت أحس إن البيت أخيرًا رجع له الهدوء، وإن كل واحد فينا هيفتح صفحة جديدة. هدير بدأت تستعيد ثقتها بنفسها، ونادية بقت أقرب لي من أخت، وطارق كان كل يوم يحاول يعوضني عن كل لحظة حزن عدت عليا.

أما حماتي، فكانت ساكتة أغلب الوقت.

كنت فاكرة إن سكوتها معناه إنها فهمت غلطها، وإن الأيام علمتها درس عمرها ما هتنساه.

لكن في ليلة، وأنا قاعدة في أوضتي، سمعت خبط خفيف على الباب.

فتحت، لقيتها واقفة قدامي ووشها هادي بشكل غريب.

قالت:
“ندى… ممكن أتكلم معاكي دقيقتين؟”

دخلت وقعدت قدامي، وسكتت شوية، وبعدها قالت:
“أنا عارفة إنك مش هتصدقي كلامي، وعارفة إني وجعتك كتير… بس في حاجة لازم تعرفيها قبل ما الأيام تعدي.”

بصيتلها باستغراب وقلت:
“حاجة إيه؟”

طلعت من جيبها ورقة قديمة، وحطتها قدامي على الترابيزة.

وقالت:
“الورقة دي اتوجدت بين حاجات والد طارق من سنين… وأنا خبّيتها عن الكل.”

مسكت الورقة وإيدي بدأت ترتعش.

بصيت في أول سطر، وفجأة حسيت إن الدنيا كلها وقفت.

كان مكتوب اسم طارق… لكن التاريخ كان قبل زواجنا بسنين.

رفعت عيني عليها وقلت:
“إيه ده؟”

حماتي بصتلي بحزن وقالت:
“الحقيقة اللي خبّيتها سنين… واللي لو عرفها طارق، ممكن تغير كل حاجة.”

في اللحظة دي سمعت صوت مفتاح الباب بيتفتح.

طارق رجع.

حماتي قامت بسرعة، لكني فضلت قاعدة وأنا ماسكة الورقة، وعيني على الباب.

دخل طارق، وبص لنا باستغراب:
“إنتوا قاعدين مع بعض ليه؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى