
الحاجة رسمية عروق رقبتها اتنفخت وصوتها علي وبقى يرجع صدى في البيوت، وزعقت بعلو صوتها وهي بتهز أكياس الشوبينج في وشهم: “أنت مين يا جدع أنت وهو؟! وواقفين بره ليه بإمارة إيه؟! ده بيتي ومطرحي وشقا أولادي! أنتوا م تعرفوش أنا مين ولا عيلة مين في الحارة دي؟! ده أنا أطير برقابكم!”
في اللحظة دي بالذات، والزيطة واصلة لآخر الشارع، أنا زقيت ضلفتين شباك أوضة الصالة في الدور الأول، وفتحتهم على الآخر وبصيت عليهم من فوق بمنتهى البرود والراحة التامة، كأني بتفرج على رواية في التلفزيون. مكنتش راضية أحط لا شاش ولا لزقة ولا شريط يداري دراعي؛ سبت اللحم المخروم والجرح بـ الـ 12 غرزة السلك والخياطة الزرقا باينين وواضحين.
سندت كف إيدي السليمة على سور الشباك وقلت لهم بصوت جهوري عالي وراسي مرفوعة في السما، صوت سمعه الصغير والكبير في الحارة اللي بدأوا يفتحوا الشبابيك ويخرجوا يقفوا على المصاطب ويتفرجوا على “الحاجة الشيخة الكريمة” وسلفتي:
“هدومكم وفشخرتكم الكدابة اللي جيبينها بفلوس أحمد من بره عشان تذلوني بيها، محشورة في أكياس الزبالة السودا المرمية وراكم في الطين والتراب دي! والبوليس وإبراهيم زمانهم على أول الشارع حالا بتهمة الاعتداء العمد والشروع في إجهاض!”
-
وانا رجعه فيه الاتوبيسمنذ 56 دقيقة
-
حكايات روماني مكرم ج 2منذ ساعتين
-
حكايات روماني مكرم ج 1منذ ساعتين
-
ضرتي1منذ 5 ساعات
أنا عارفة ان ده بيت العيلة لكن كنت عاوزة اعمل حاجة قصاد اللي عملوه فيا الصراحة، وعارفة ان في ناس حتغلطني لان البيت بيت الكل مش بيتي لوحدي، لكن كنت مقهورة.
شيرين أول ما سمعت كلامي، لفت وشها زي المجنونة وبصت لورا، ولما لمحت أكياس الهدوم والعبايات الخليجي والشنط الماركة اللي بتتباهى بيها مرمية وسط الزبالة في الطين والتراب، عقلها طار وبدأت تصرخ بهستيريا وصوت مسرسع من الحرة والغل:
“أنتِ اتجننتي يا بت؟! أنتِ فاكرة نفسك مين وعملتي فينا إيه؟! ده أنتِ حتة حشرة عايشة في خيرنا! إبراهيم جوزك الموظف الكحيان هيطلقك ويرميكي في الشارع لأهلك ومش هتلحقي تاخدي غيار واحد من هنا، يا جربوعة!”
أما حماتي الحاجة رسمية، فوشها اتمسح منه كل الألوان وبقى زي قشر الليمون المصرور من الصدمة، ولما حست إن الفضيحة بقت بجلاجل والحارة كلها اتلمت والستات واقفة تتفرج وتشاور عليهم، بدأت تمثل وتلطم على وشها وصدرها وتصوت عياط مصطنع عشان تلم الناس حواليها وتعمل دور الضحية كعادتها:
“يا ناس يا عالم! شوفوا الفجر! شوفوا قلة الأصل والندالة!”
بس التمثيلية الرخيصة دي م كملتش دقيقة واحدة، والدموع نشفت في عينيها.. لأن في اللحظة دي بالذات، عربية بيجو سبعة راكب مالت برأسها ودخلت الحارة بسرعة، وفرملت ووقفت على أول الشارع بصرخة عجل هزت الأرض. ونزل منها إبراهيم!
إبراهيم نزل وعيونه بتطلع شرار من كتر الحرقة والمشوار اللي أخده من بورسعيد وهو بيموت في جلده من الخوف عليا وعلى ابنه. شيرين أول ما شافته، جريت عليه وهي بتعيط وتتمسكن وتتمطوح في مشيتها وتندب: “شفت يا إبراهيم؟ شفت مراتك الفاجرة عملت فينا إيه من ورا ضهرك؟! طردتني أنا وأمك في الشارع ورمت هدومنا وعباياتنا في الطين والزبالة! اطردها برة البيت حالا وطلقها وخلصنا من قرفها!”
إبراهيم محاولش حتى يبص في وش شيرين ولا عبر كلمة من اللي قالتها، زق إيدها عنه بكل قوته لدرجة إنها رجعت لورا خطوتين وهي مذهولة. رفع راسه لفوق، وعينه جت في عيني مباشرة.. شاف دراعي المتخيط بـ 12 غرزة والدم اللي لسه معلم في هدومي وشكلي المتبهدل الهلكان من الخوف والتعب. وشه احمر وبقى زي الدم، وعروق رقبته ظهرت واتنفخت من كتر الغضب المكبوت.
لف لـ أمه الحاجة رسمية، وبص لها بنظرة كره عمرها ما شافتها من ابنها الكبير الغلبان، وقالها كلمة واحدة بصوت جهوري زلزل الحارة كلها وخرس الكل: “أنتِ مكرشة ومقطوعة من حياتي ومن بيتي ومن اسمي من النهارده ليوم الدين.. والطبق البورسلين اللي إنتِ وشيرين رمتوه بغل في وش مراتي الغلبانة عشان تذلوها بقلة فلوسي، قسماً بالله لتدفع تمنه سنين وسنين ورا القضبان وفي المحاكم، ومفيش مليم من فلوس أحمد هيشفع لكم عندي!”
الحارة كلها سكتت، وشيرين وحماتي بقوا واقفين زي الأصنام والتراب مغرق أكياس هدومهم!
البوليس وصل على صراخ وضجة الحارة اللي اتقلبت، والضابط نزل من البوكس ومعاه القوة. شيرين وحماتي الحاجة رسمية افتكروا إن الفلوس واللسان الطويل هيحميهم، بس الصدمة الكبيرة كانت مستويا لهم على نار حامية.
القضية مكانش فيها بس تقرير طبي بـ 12 غرزة في دراعي وشهود من الجيران اللي شافوا الدم؛ المفاجأة اللي قطعت نفس الحاجة رسمية وشيرين إن المطبخ كان فيه كاميرات مراقبة صغيرة وسلكها مستخبي، حماتي هي اللي كانت مركباها من ورا ضهري عشان تراقبني خطوة بخطوة وتعد عليا الأنفاس، ومكنتش تعرف المسكينة إن الكاميرات دي هتبقى هي حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبتها ورقبة شيرين، ويثبت جريمة الاعتداء العمد وشيل الطبق ورميه في وشي صوت وصورة!
الضابط شاف التفريغ في ثواني، وأمر العساكر بالكلبشات فوراً. شيرين صرخت، بس اتسحبت هي والحاجة رسمية على القسم قيد التحقيق والمحضر الجنائي المظبوط. الحاجة رسمية خرجت بكفالة تاني يوم الصبح، بس اضطروا يباتوا الليلة دي في بنسيون رخيص على المحطة هي وشيرين بهدومهم اللي عليها تراب التخشيبة. سمعتهم في طنطا كلها بقت في الأرض، والحارة بقت بتتكلم عن الحقيقة والظلم اللي شفت وأنا حامل في الشهر الخامس.
أما أنا.. فإبراهيم دخل الشقة بعد ما البوليس مشي وقفل الباب وراه. رمى نفسه على الكنبة الخشب جنب رجليا، مسك كف إيدي السليمة وباس دراعي المصاب والمتخيط وعيط بحرقة زي العيال الصغيرة. قعد يعتذر لي ألف مرة على كل لحظة سابني فيها معاهم، وعلى طيبة قلبه اللي خلتني أبيع غويشتي عشان أحمد يسافر ويردوا لنا الجميل بالدم والذل.
قال لي وصوته مخنوق: “يا سمر، البيت ده لو قعدنا فيه يوم واحد تاني يبقى مفيش فيا ريحة الرجولة. شقا عمري ومرتبي على قده، بس كرامتك وسلامتك أنتِ وابني بالدنيا كلها.”





