روايات وقصص

جوزي ج 3

روماني مكرم

نظرتُ للحاج متولي ولجموع التجار الذين يرقبون موقفي، ثم مسحتُ وجهي من السواد والمطافىء، ووقفتُ على رصيف المحل بثبات زلزل المكان، وقلت بصوت عالي سمعه الجميع: “اللي فاكر إن الشرر ده يبقى عبيط! المحل مفتوح من الصبح، والشحنات الجديدة هتتوفر بكرة، ودم جوزي وحلال بناتي خط أحمر! الست اللي وقفت صفق التجار وارتفعت الأصوات ، لكنني بيني وبين نفسي كنتُ أعلم أن الوقوف في وجه كمال الباشا بالطرق التقليدية مجرد . كان يجب عليّ أن أسبقه بجدوة وثلاث خطوات، وأن أتحول !

جمعتُ الأستاذ فاروق، وضابط الشرطة الشريف المكلف بمتابعة ، وقدمتُ لهم الدلائل التقنية ورقم لوحة السيارة، بالإضافة إلى الموعد السري لشحنة التي كشفتُ تفاصيلها من خلال دفاتر الموردين القدامى الذين حاول كمال الباشا استخدام أسمائهم كغطاء!

مقالات ذات صلة

في ليلة التنفيذ، وقبل ساعات من التحرك الكبير، تلقت حماتي اتصالا من حسين من داخل  على الدرج،  عشان يدبس القضية كلها فيه السر معاه! حسينك تسامحيه وتنقذيه!”

تحركتُ مع أخي أحمد والأجهزة الأمنية في خطة محكمة نحو المخزن السري لكمال الباشا على أطراف طريق الإسكندرية الصحراوي. كانت والأوراق المزورة التي تثبت تورطهم في حريق السوبرماركت ومحاولة في صباح اليوم التالي، تصدرت صور كمال الباشا وهو مكبل بالحديد جميع الصحف والمواقع الإخبارية، أعطيتُ حماتي نفقتها الشهرية المكفولة بكل كرامة، وقلتُ لها: “حقك عليّ كأم زوجي هتوصلك لحد باب بيتك، لكن والمال ماليش فيه شريك غير بناتي.”

وقف أبي وأحمد يبتسمان بفخر، وحضر الحاج متولي ومعه جميع تجار السوق وقدموا لي درعاً تكريمياً كأفضل وأقوى تاجرة في المنطقة، وأطلقوا عليّ رسمياً لقب “كبيرة السوق”.

احتضنتُ بنتيّ الصغيرتين وأنا أقف أمام لافتة السوبرماركت الجديدة التي كتب عليها بخط ذهبي عريض: “سوبر ماركت ومخازن البنات – تحت إدارة المعلمة حلمية”.

لكن.. وبينما كنتُ أظن أن الصفحات قُفلت وأن الهدوء سيعود لأيامي، جاءني صندوق خشب أنيق مرسل عبر البريد السريع باسم زوجي الراحل، يحمل شفرة قفل معقدة ورسالة مكتوبة بخط يد زوجي لم تُفتح من قبل، الجزء السابع والأخير

جلستُ على مكتبي في قلب المخزن والكتمان يلف المكان من حولي. كان الصندوق الخشبي الأنيق يركن أمامي، برائحته التي تشبه أريج زوجي الراحل، وشفرته الرقمية المكونة من أربعة أرقام تنظر إليّ بجمود.

رفعتُ غطاء الصندوق برعشة في يدي. كان داخله دفتر صغير تجليده مخملي أسود، وجهاز تسجيل صوتي قديم، ورسالة مكتوبة بفرشاة وحبر أسود بخط زوجي عارف إنها بميت راجل. لو بتقرأي الرسالة دي، يبقى أنا قابلت وجه كريم، ويبقى حسين وأمي والحيّات اللي حواليهم حاولوا ينهشوا في شقايا وحلال بناتي. أنا مسبتكيش لقمة سائغة ولا سبتك للظروف.. أنا سبتلك الحقيقة كاملا، وسبتلك الداعم اللي هيسندك في أعتى الأوقات.”

أخرجتُ الشريط الصوتي ووضعته في المسجل، لتنطلق نبرة زوجي الدافئة الواثقة في أرجاء ، يروي فيها بالتفصيل وبالمستندات والصوت والصورة كل المحاولات الدنيئة التي تعرض لها، ومؤكداً أن جميع أملاكه من سوبر ماركت ومخازن وأرصدة بنكية هي ملك خالص لي وللبنات، بعقود هبة مسجلة في الشهر العقاري لا تقبل الطعن أو الميراث إلا بعد بلوغ البنات السن القانوني تحت وصايتي المطلقة!

وفي صبيحة اليوم التالي لإسدال الستار على المحاكمات، وقفتُ في منتصف الشارع أمام السوبر ماركت والمخزن الكبير. كانت الشمس تشرق بضياء ساطع لم أره منذ رحيل زوجي. العمال والموردين والتجار، يتقدمهم الحاج متولي وبجواره أبي وأخي، والجميع ينظرون إليّ بإجلال واحترام لا حدود له.

رددتُ عليها بهدوء ووقار: “المسامح ربنا يا حاجة.. بيتك ومصروفك مكفولين ليوم الدين كرامة لروح رفعتُ رأسي إلى السماء وأنا أسمع أذان الظهر يتردد في أرجاء الحارة، وأمسكتُ بإيدي بنتيّ الصغيرتين اللتين أقبلتا نحوِي تبتسمان كأزهار الربيع. أخذتُ نفساً عميقاً وأنا أشعر بروح زوجي ترفرف حولنا باطمئنان، وقد تحولتُ من تلك المرأة الخجولة التي لا تغادر ، إلى “المعلمة حلمية”.. سيدة السوق، وحارسة الحلال، وأم البنات التي أثبتت للجميع أن الحق إذا وجد من يذود عنه، لا يضيع أبداً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى